ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
322
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
ذلك في مراح ولا مغدى ، وبقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع ، وأراق دموعهم خوف المحشر ، فهم من شديد ناد خائف مقموع ، وساكت مكعوم ، وداع مخلص ، وثكلان موجع ، قد أخملتهم التقية وشملتهم الذلة ، فهم في بحر أجاج ، أفواههم ضامرة ، وقلوبهم قرحة ، قد وعظوا حتى ملّوا ، وقهروا حتى ذلوا ، وقتلوا حتى قلوا ، فلتكن الدنيا أصغر في أعينكم من حثالة القرض « 1 » وقراضة الحلم ، واتعظوا بمن كان قبلكم قبل أن يتعظ بكم من بعدكم ، وارفضوها ذميمة فإنها قد رفضت من كان أشعف بها منكم . قال السيد الرضي وهذه الخطبة ربما نسبها من لا علم له إلى معاوية وهي من كلام أمير المؤمنين علي عليه السّلام الذي لا شك فيه ، وأين الذهب من الرغام والعذب من الأجاج ، وقد دل على ذلك الدليل الخريت ونقده الناقد البصير عمرو بن بحر الجاحظ ، فإنه ذكر هذه الخطبة في كتاب البيان والتبيين وذكر من نسبها إلى معاوية ثم تكلم من بعدها بكلام في معناها جملته أنه قال : وهذا الكلام بكلام علي عليه السّلام أشبه وبمذهبه في تصنيف الناس وفي الإخبار عما هم عليه من القهر والإذلال أو في حال من الأحوال من التقية والخوف أليق ، ومتى وجدنا معاوية يسلك في كلامه مسلك الزهاد ومذاهب العباد ؟ وعن كميل بن زياد قال : سألت مولانا أمير المؤمنين علي عليه السّلام قال : قلت : يا أمير المؤمنين ، أريد أن تعرّفني نفسي ، قال : يا كميل أي الأنفس تريد أن أعرفك ؟ قلت : يا مولاي وهل هي إلّا نفس واحدة ؟ فقال : يا كميل إنما هي أربعة : النامية النباتية ، والحسية الحيوانية ، والناطقة القدسية ، والملكة الإلهية ، ولكل واحد من هذه خمس قوى وخاصيتان : فالنامية النباتية لها خمس قوى : ماسكة وجاذبة وهاضمة ودافعة ومربية ، ولها خاصيتان : الزيادة والنقصان ، وانبعاثها من الكبد ، وهي أشبه الأشياء بأنفس الحيوان ، والحسية الحيوانية لها خمس قوى : سمع وبصر وشم وذوق ولمس ، ولها خاصيتان : الرضا والغضب وابنعاثها من الكبد ، وهي أشبه الأشياء بأنفس السباع ، والناطقة القدسية لها خمس قوى : فكر وذكر وعلم وحلم ونباهة ، وليس لها انبعاث وهي أشبه الأشياء بأنفس الملائكة ولها خاصيتان : النزاهة والحكمة ، والملكة الإلهية لها خمس قوى : بقاء في فناء ، ونعيم في شقاء ، وغز في ذل ، وفقر في غنى ، وصبر في بلاء ، ولها خاصيتان : الحلم والكرم ، وهذه الذي مبدأها من اللّه ( تعالى ) وإليه تعود
--> ( 1 ) - خ ل : القنوط .